عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
228
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 179 ] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) اعلم أن كيفيّة النّظم أنّه تعالى لما أوجب القصاص في الآية المتقدّمة توجّه أن يقال : كيف يليق برحمته إيلام العبد الضّعيف ، فذكر عقيبه حكمة شرع القصاص ؛ دفعا لهذا السؤال . قوله « لكم » : يجوز أن يكون الخبر ، و « في القصاص » متعلّق بالاستقرار الّذي تضمنّه « لكم » ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال من حياة ، لأنّه كان في الأصل صفة لها ، فلما قدّم عليها نصب حالا ، ويجوز أن يكون « في القصاص » هو الخبر ، و « لكم » متعلّق بالاستقرار المتضمّن له ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في قوله وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [ البقرة : 36 ] وهناك أشياء لا تجيء هنا . فصل في معنى كون القصاص حياة في معنى كون القصاص حياة وجوه : أحدها : أنّه ليس المراد أنّ نفس القصاص حياة ؛ لأنّ القصاص إزالة للحياة ، وإزالة الشيء يمتنع أنّ تكون نفس ذلك الشّيء ، بل المراد أنّ شرع القصاص يفضي إلى الحياة . أمّا في حقّ من يريد القتل فإنّه إذا علم أنّه إذا قتل قتل ترك القتل ؛ فلا يقتل ، فيبقى حيّا ، وأمّا في حقّ المقتول : فإنّ من أراد قتله ، إذا خاف من القصاص ؛ ترك قتله فيبقى غير مقتول ، وأمّا في حقّ غيرهما : فلأنّ في شرع القصاص بقاء من همّ بالقتل ومن يهمّ به ، وفي بقائهما بقاء من يتعصّب لهما ؛ لأنّ الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدّي إلى المحاربة الّتي تنتهي إلى قتل عالم من النّاس ، وفي شرع القصاص زوال لكلّ ذلك ، فيصير حياة للكلّ . وثانيها : أنّ نفس القصاص سبب الحياة ؛ لأنّ سافك الدّم ، إذا أقيد « 1 » منه ، ارتدع من كان يهمّ بالقتل ، فلم يقتل ، فكان القصاص نفسه سببا للحياة من هذا الوجه . وثالثها : معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة ، فإنّه إذا اقتصّ منه في الدّنيا ، حيي في الآخرة ، وإذا لم يقتصّ منه في الدّنيا اقتصّ منه في الآخرة وهذا الحكم غير مختصّ بالقصاص في النّفس ، بل يدخل فيه القصاص في الجراح والشّجاج . ورابعها : قال السّدّيّ : المراد من القصاص إيجاب التّوبة . وقرأ أبو « 2 » الجوزاء « 3 » في القصص والمراد به القرآن .
--> ( 1 ) في ب : افتقى . ( 2 ) انظر : الشواذ « 11 » . ( 3 ) أوس بن عبد اللّه الربعي بفتح الراء والموحدة أبو الجوزاء بجيم ثم زاي بعد الواو البصري عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس . وعنه بديل بن ميسرة وقتادة ومحمد بن جحادة . وثقة أبو حاتم قال عمرو بن علي : مات سنة ثلاث وثمانين . ينظر الخلاصة 1 / 106 .